عبد العال سالم مكرم
42
من الدراسات القرآنية
لعل قائلا يقول : قد تكون هذه عادة العصر ، وأن العلماء في هذا العهد كان يأخذ بعضهم عن بعض ، ولا يرون حرجا في عدم الإشارة إلى ذلك ، فأقول له : هذه عادة الزمخشري وحده ، فقد سبقه الكثير من المؤلفين في مجالات التفسير ، والقراءات ، والنحو ، ومع ذلك كان الكثير منهم يحرص على أن يسند كل رأى إلى صاحبه ، وكل قول إلى من صدر عنه ، انظر مثلا : إلى أبى على الفارسي تجده في كتابه الحجة في القراءات السبع ، يبين أنه « لم يكن أول نحوى شرح في الاحتجاج لهذه القراءات فقد سبقه إلى ذلك أبو بكر محمد ابن السرى في تفسير صدر من ذلك في كتاب كان قد ابتدأ بإملائه . . . إلخ « 1 » . على آية حال كانت ، فإن من غريب المصادفات أنني قرأت في كتاب « النجوم الزاهرة » أن « للرمانى كتاب التفسير الكبير ، وهو كثير الفوائد إلا أنه صرح فيه بالاعتزال ، وسلك الزمخشري سبيله وزاد عليه » « 2 » . ولفتت هذه العبارة الأخيرة نظري ، وكانت مفتاح السر الذي فتح باب هذا البحث على مصراعيه أمامى ، ذلك لأنى أردت أن أعرف درجة تأثر الزمخشري بالرمانى ، فذهبت أبحث في فهارس المخطوطات عن تفسير الرماني ، وأخيرا عثرت على تفسير جزء « عمّ » للرمانى في مكتبة العلامة أحمد تيمور . ومن حق القارئ قبل أن أضع له النقاط على الحروف في هذا المجال أن يعرف في إيجاز من هو الرماني صاحب التفسير الكبير الذي سلك الزمخشري سبيله فأبادر على الفور فأقول : الرماني : هو على عيسى بن علي بن عبد الحسن أبو الحسن الرماني ، كان إماما في العربية علامة في الأدب ، في طبقة الفارسي ، والسيرافى معتزليا . ولد سنة ست وسبعين ومائتين ، وأخذ عن الزجاج ، وابن السراج ، وابن دريد . قال السيوطي : لم ير مثله قط علما بالنحو ، وغزارة بالكلام ، وبصرا بالمقالات ، وكان يمزج النحو
--> ( 1 ) مقدمة الحجة لأبى على الفارسي : نسخة مصورة رقم 463 - قراءات - دار الكتب المصرية . ( 2 ) النجوم الزاهرة ، ج 4 ، ص 168 .